جيرار جهامي ، سميح دغيم
607
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
وحسب بل هو أيضا ما ينتمي إلى الماضي القريب . و « الماضي القريب » متّصل بالحاضر ، والحاضر مجاله ضيّق فهو نقطة اتّصال الماضي بالمستقبل . وإذن فما فينا أو معنا من حاضرنا ، من جهة اتّصاله بالماضي ، هو تراث أيضا . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 45 ، 6 ) . - التراث ليس بضاعة تمّ إنتاجها دفعة واحدة خارج التاريخ ، بل هو جزء من التاريخ ، هو حركة الفكر وتطلّعاته خلال مراحل معيّنة من التطوّر . وبالتالي فهو لحظات متتابعة ألغى بعضها بعضا أو كمّله ، لحظات فكر يعكس الواقع ويعبّر عنه ويؤثّر فيه سلبا أو إيجابا . . . ولذلك فالتعامل مع التراث تعاملا علميّا يجب أن يكون على مستويين : مستوى الفهم ومستوى التوظيف أو الاستثمار . في المستوى الأول يجب أن نحرص فعلا على استيعاب تراثنا ككل بمختلف منازعه وتيّاراته ومراحله التاريخية ، أما على مستوى التوظيف فيجب أن نتّجه أكثر وأكثر إلى أعلى مرحلة وقف به التقدّم . . . أما أن نبحث في ما يمكن أخذه من المعتزلة والشيعة والخوارج والأشاعرة ثم الفلاسفة فهذا عمل غير تاريخي ، لا يؤدّي إلّا إلى حلقات مفرغة . ذلك لأن ما نريد ، بل ما يمكن ، أن نتعامل معه نحن اليوم من التراث ، ليس التراث كما عاشه أجدادنا ، وكما تحتفظ لنا به الكتب ، بل ما تبقّى منه ، أي ما بقي منه صالحا لأن يعيش معنا بعض مشاغلنا الراهنة وقابلا للتطوير والإغناء ليعيش معنا مستقبلنا . . . وذلك هو معنى الأصالة . ( الجابري ، نحن والتراث ، 47 ، 14 ) . - التراث ليس ماضيا مضى ، بل هو جزء من بنية الحاضر ، يمارس فاعليته وحضوره في العقل والمخيال أو في التصرّف والمسلك ، سواء عبر النصوص والخطابات ، أو عبر الأعراف والتقاليد ، فإما أن نتعامل معه كمعطى أو كرأسمال رمزي ينبغي صرفه وتحويله إلى معرفة حية أو إلى مبادرات خلّاقة ، وإما أن نقع أسراه ، لكي يصرفنا هو عن الانخراط في صناعة العالم . وهكذا ليست المسألة مسألة تعارض بين تراث وحداثة ، بقدر ما هي مسألة طريقة التعامل مع التراث ، أو كيفية الانتماء إلى الحداثة . قد يمارس الواحد حداثته بصورة هامشية كمستهلك ، وقد يمارسها كمنتج بالمشاركة الفعّالة في تكوين المشهد العالمي . ( علي حرب ، الماهية والعلاقة ، 68 ، 17 ) . - التراث ليس مخزونا ماديّا فحسب ، هذا الكم الهائل من المخطوطات القديمة المنشور منها وغير المنشور والذي حرّر في عصور لم توجد فيها المطابع بعد ، ولكنه أيضا ليس كيانا مستقلّا بذاته يدافع عنه وكأنه يحتوي على حقائق نظرية مسبقة توجد بذاتها ، مهدّدة بالضياع إن غابت ، وتحشد لها العقول في مرحلة الخطر ، حقيقيّا أم وهميّا . ليس التراث موجودا صوريّا له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه وبصرف النظر عن الواقع الذي يهدف إلى تطويره ، بل هو تراث يعبّر عن الواقع الأول الذي هو جزء من مكوّناته . . . التراث إذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلّباته ، خاصّة وأن